بسم الله الرحمن الرحيم
• مشكلة البحث: المستوى العلمي لبعض العاملين في حقلي النزاهة والاعلام ،لايرقى الى مستوى تبني ثقافة للنزاهة والشفافية مستندة الى البحث العلمي الرصين ومن ثم القيام بنشرها في وسائل الاعلام المتعددة على وفق ستراتيجيية إعلامية تؤسس على مراحل.
• أهمية البحث: نابعة من خطورة الفساد بأشكاله المتعددة، لكونه آفة تهدد كيان المجتمع العراقي ومؤسسات الدولة. ومحاولة لوضع آليات لكشف الفساد ، ولا سيما مايمكن الاصطلاح عليه بالفساد الخفي المتجذر في مجتمعنا ومؤسسات الدولة ودوائرها.
• أهداف البحث: دعوة لرفع المستوى العلمي للعاملين في حقلي النزاهة والاعلام والمدير الاداري الذي هو ركن رئيس في المؤسسات. لاعتماد البحث العلمي الرصين في نشر ثقافة رصينة علمية للنزاهة والشفافية.
• المنهج: يتناول البحث محاور ثلاثة هي: مفهوم النزاهة والفساد ( أسباب وآثار وعلاج ) ونزاهة الاعلام ، ودور المدير الاداري في تبني ثقافة النزاهة ونشرها ، فضلا عن التوصيات والنتائج.
- خلاصة: على الرغم من أن الفساد الإداري والمالي هو الخطر الأكبر الذي يهدد المجتمع العراقي ، لا يزال مستشر في أغلب مفاصل الدوائر الحكومية، وعلى الرغم من الجهود التي قامت بها هيئة النزاهة. إلا أن الكثير منا لم يدرك بعد الأبعاد المهلكة لهذا الخطر. ولا سيما ما أسميته بالفساد الخفي الذي لا يترك آ ثارا مباشرة على المدى القريب ولا أدلة واضحة على ممارسته ، فضلا عن الاستهانة به من بعض المسؤولين.
إن البحث العلمي الرصين والتخطيط الذي يستند الى دراسات علمية, وتحليل علمي دقيق للواقع، القائم على مناهج علمية مختلفة وتلا قح علوم متعددة , وكذلك التوزيع العادل للمواقع المهمة على وفق المؤهلات العلمية ومعايير المصلحة العامة، وتفعيل العمل الجماعي واللجان العلمية والادارية والمهنية المختصة ، وتأسيس شبكة إعلامية خاصة للشفافية والنزاهة، تسعى في تعزيز الدور الإعلامي في مكافحة الفساد الاداري والمالي ، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه وعلى الكفاءات المبدعة لتحقيق نهضة شاملة في جميع ميادين المجتمع العراقي ومؤسسات الدولة تبدأ بالهيئة نفسها ثم الجامعة والاعلام وهكذا بحسب الأولويات على وفق مراحل..
مدخل:
الحمدُ لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً ، وبعد...
فلا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات قديمها وحديثها من مظاهر الفساد الإداري بما فيها مجتمع الإسلام على الرغم من الروحية والشفافية التي ميزت الفكر الإسلامي على مر العصور ذلك أن للفساد جذور وتراكمات تأريخية وانحرافات عن المسار العلمي والإسلامي السليم ، سببها الصراع على السلطة عبر التأريخ. ، والحاضر هو وليد الماضي.
لقد صنفت منظمة "الشفافية الدولية" في سنة 2009م العراق بين أكثر الدول فسادا في العالم. وهو أمر يؤسف له: عراق الحضارات والأنبياء وآل البيت (ع) والصحابة (رض) يدرج في أعلى مراتب الفساد!، انه لأمر محزن يرفضه أبناؤه المخلصون العلماء. وقد لايكون الخبر أو الإحصائية دقيقة ، ومهما يكن من أمر فان الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق كانت وراءه، فهي مرحلة مؤقتة انتقالية لها أسبابها المعروفة وستزول بهمة أبنائه المخلصين بالعمل والعلم.
الفساد الاداري هو: سلوكيات منحرفة يمارسها بعض الموظفين داخل الجهاز الاداري ، تؤدي الى انحراف الجهاز عن أهدافه المرسومة للمصلحة العامة. وقد عرف بأنه: " سوء استغلال السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة " . وعرفه العلماء القدامى ومنهم مفسرو القرآن الكريم بأنه: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، ونقيضه ؛ الصلاح ، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة .
وخير من شخص الفساد وذكر مظاهره ثم قدم له الحلول، القرآن الكريم. شريطة التمسك به والعمل بمضمونه ، لقد ذكر القرآن الكريم مظاهر الفساد وشخصه تشخيصا دقيقا في عشرات المواضع كالغش والتبذير والإسراف والربا والتكبر والنفاق والباطل بأشكاله وغيرها مما يترك آثارا سيئة على المجتمع ويمهد أرضية لمجتمع يتقبل الفساد. وأكد على الأخلاق السامية والنزاهة والعدل واحترام حقوق الآخر والسعي الى مرضاة الله تعالى وحذر المفسدين من عاقبة شديدة. قال تعالى: (( فأنظر كيف كان عاقبة المفسدين )). وقال الله تعالى: { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [ سورة البقرة: 205 ]. وقال تعالى:} وإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ قَالُوا إِنّمَا نحْنُ مُصلِحُونَ (11) أَلا إِنّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لا يَشعُرُونَ (12) { ( سورة البقرة ).
ان قضية الفساد الاداري والمالي ليست قضية أخلاقية.. بل قضية وطنية عامة ، وإذا وضعنا جانبا الضرر الاقتصادي الذي يسببه الفساد في العراق فلا نغفل الضرر الاجتماعي المتمثل في القضاء على هيبة القانون وانهيار البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية..فضلا عن أن الفساد الإداري يؤدي الى اعادة توزيع الدخول بشكل غير مشروع ويحدث تحولات سريعة في التركيبة الاجتماعية ، الأمر الذي يكرس التفاوت الاجتماعي ويزيد من احتمالات التوتر وعدم الاستقرار السياسي ويعرض شرعية النظام السياسي للتآكل المستمر . إن لقضية الفساد مخاطر حقيقية تهدد الحريات والاستحقاق الإنساني من حقوق وخدمات ، فهو يصادر ما يستحق شخص ما الى آخر لأسباب مادية أو فئوية أو حزبية أو عصبية قبلية أو دينية ويفرغ ساحات شاسعة لمجتمعات من حقوقها ويكدسها ويضاعفها في أخرى نتيجة لسلوك إفراد معينين. وهو بذلك يجعل من المجتمع وأفراده يشعرون بالظلم واليأس والإحباط، فتبدأ منظومة القيم الاجتماعية بالتحلل والتدهور تدريجياً ويعم التسيب في مجالات واسعة بحيث تؤثر على سمعة البلد , مع اتجاه البعض من الذين يعانون من البطالة والفراغ نحو الانحراف والإجرام وما يسببه ذلك من زعزعة الاستقرار الأمني في المجتمع ويسهم في رفع نسبة الجريمة . ويؤدي الفساد إلى زيادة كلفة الخدمات الحكومية مثل : التعليم والسكن وغيرها من الخدمات الأساسية, وهذا بدوره يقلل من حجم هذه الخدمات وجودتها مما ينعكس سلبا على الفئات الأكثر حاجة إلى هذه الخدمات .
المبحث الأول:
مفهوم النزاهة والفساد
النزاهة ليست تخصصا مستقلا , بل فلسفة , و ثقافة عامة , و نظام فكري , و خطاب يستمد وجوده وأهميته من علوم كثيرة ولا سيما الفلسفة و الأخلاق وعلوم الدين والشريعة , و الاعلام , و الإدارة , والقانون , والسياسة., وعلم الاجتماع , وعلم النفس , و الأدب و علم الاقتصاد والقضاء وغيرها.
وقد تنوعت الأطروحات التي تناولت النزاهة و الفساد الاداري على وفق تفاعلاتها مع مختلف الاختصاصات (( فعلم الاجتماع يرى الفساد , انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي فيما يتصل بالمصلحة العامة )). أما علم النفس فيعد الفساد تصورا قيما لدى الفرد, يجعله عاجزا عن النهوض بالمهام الموكلة له. وعلم الاقتصاد يربط بين الاستثمار و التنمية الاقتصادية من جهة , و نوعية المؤسسات الحكومية من جهة أخرى. ووصف القانون الفساد الاداري بأنه انحراف عن الالتزام بالقواعد القانونية(1). فكل العلوم والاختصاصات يمكن إن تسهم في خلق ثقافة عامة للنزاهة. فالبحوث التي اشتركت في المؤتمر العلمي الأول لهيئة النزاهة في 5-6\تموز\2008 امتازت بالتنوع العلمي والاختصاصات المختلفة والمناهج المتعددة التي تنتمي الى علوم مختلفة. ولكن أهدافها كلها هدف واحد هو بناء فكر وفلسفة و خطاب شامل لتحويل المجتمع من حالة الى حالة أفضل ، والرقي به وبمؤسسات الدولة و النهوض بهما نهضة شاملة.
إن البحث العلمي الرصين و التخطيط الذي يستند الى دراسات علمية , وتحليل دقيق علمي للواقع القائم على مناهج مختلفة واستثمار لعلوم كثيرة وتخصصات مختلفة ولا سيما الفلسفة, كفيلة بايجاد نهضة شاملة في جميع ميادين المجتمع العراقي ومؤسسات الدولة. ذلك أن النهوض ينبغي أن يكون شاملا في مختلف الميادين السياسية والعلمية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لصناعة ثقافة النزاهة لا القصور على الرقابة ووسائل الردع والجهات الأمنية والقضاء. وهذا ما أكده المعنيون بالنزاهة، فقد دعا الشيخ صباح الساعدي رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب في كلمة في المؤتمر العلمي الأول لهيئة النزاهة الى ثقافة للنزاهة شاملة ((تبدأ من الذات من النفس الى الأسرة والمجتمع





