السبت، 9 يناير 2010

التنشئة وروح المواطنة في العراق

التنشئة وروح المواطنة في العراق




تلعب التنشئة دورا اساس ـ اذا لم يكن اهم الادوار على الاطلاق ـ في وحدة وتماسك الدولة , اي دولة ولكن وقبل الخوض في الفكرة هذه لابد من التعريف بالتنشئة بحد ذاتها . تعني التنشئة , العملية التي يتم بمقتضاها نقل الثقافة عبر الاجيال والثقافة المعنية هنا هي ليست مقدار المعرفة والمعلومات المتراكمة عند شخص ما والتي بحسبها نعد البعض (مثقفين) ,في الواقع ان مصطلح الثقافة المعني هنا هوالذي يستعمل كترجمة للكلمة الانجليزية CULTURE والذي تسبب بهذا اللبس هو مطب من مطبات الترجمة وقد اقترح البعض استعمال كلمة تراث كترجمة قد تكون ادق للمصطلح . وفي الواقع فان كلا الترجمتين تعطيان معنا فضفاضا لانقف معه على ارض صلبة والمعني بالثقافة ـ اوالتراث ـ مجموع القيم والعادات والافكار ووجهات النظر التي يتبناها مجتمع ما لتفسير الظواهرالمختلفة في الكون ويشير علماء الاجتماع السياسي الى اساليب ثلاثة رئيسة لانتقال الثقافة عبر الاجيال اولها الاسرة وثانيها المدرسة وثالثها جماعات الاقران . وبالاستناد الى هذه النواقل الثلاث نتسائل اية ثقافة تلك التي تنقل الى الاجيال الجديدة في العراق ؟ للاجابة عن هذا السؤال ينبغي ان نلاحظ الالية التي تتبع في كل واحد من هذه النواقل على حدة والفصل بينها هنا هو فصل لغرض الدراسة والا فان كل واحد منها يتصل بالاخر ويؤثر فيه ويتاثر به مما يصعب الفصل بينها على ارض الواقع . ولابد من الاشارة الى ان الاحاطة بهذا الموضوع بهذه الاسطر القليلة امر مستحيل ولكن لامانع من تقديم رؤوس اقلام عن الموضوع. تكون الاسرة الحاضن الاول والناقل الاساس لقيم وافكار المجتمع فهي المحيط الاول الذي ينشأ فيه الطفل ويكتسب افكاره منه ويلعب اسلوب التربية المتبع في كل اسرة دورا اساسا في تشكيل شخصية الفرد فالاسرة المفككة التي تعتمد العنف في الغالب ـ اوالدلال احيانا كمحاولة للتعويض عن النقص ـ تسهم في بناء شخصية مفككة تعتمد العنف كأسلوب حياة اوهشة لاتحتمل الواقع الصعب وكذلك الامر بالنسبة للاسر التي تستخدم اساليب اخرى في التربية واذا اردنا ان ننظر الى المواطنة كقيمة راسخة في الوعي الجمعي العراقي سنجد ان الذاكرة العراقية تحمل صورة ضبابية ومشوشة عن درجة الولاء للدولة , اذ ان انفصال الدولة ـ او الحكم بصورة ادق فالدولة هي مفهوم اوسع من مفهوم نظام الحكم ولعل انعدام التفريق بين المفهومين في العراق هو اول الاسباب التي تثير المشاكل المتعلقة بالمواطنة والولاء للدولة ـ ان هذا الانفصال من قبل الدولة او نظام حكمها عن المواطنين طوال عمر الدولة العراقية الحديثة بل واعلانها الحرب احيانا كثيرة على مواطنيها سبب وجود نظرة متشائمة ومشككة تجاه الدولة ككل فأخذت تربية الطفل العراقي داخل اسرته لاتتم على غرس قيم الولاء للوطن وعد الانتماء اليه هوية اساس يحقق فيها ذاته بل اخذت تربية الطفل تتم على اذكاء روح الانتماء الى الهويات المحلية والتي يحمل البعض منها طابعا امميا مثل القومية اوالدين والمذهب فيشعر تبعا لذلك بالاتحاد مع اقرانه بالمذهب في خارج دولته اكثر مما يفعل مع اقرانه في المواطنة داخل دولته والذين تختلف هويتهم المحلية عن هويته . يرافق ذلك كله اضفاء نظرة الخوف والريبة تجاه الدولة .الدولة التي تلاحق المواطنين بالضرائب والغرامات والرسوم دون ان تقدم خدمات فعلية ملموسة حتى على مستوى البنية التحتية للبلد وفوق ذلك كله فهي تقبض المليارات لقاء بيع النفط العراقي وهكذا تنغرس في اللاوعي الجمعي للاجيال الناشئة شرعية التنصل من التزامات المواطنة تجاه الدولة التي لم تلتزم بدورها تجاه المواطنين . اما المدرسة وهي الناقل الثاني المهم فتلعب دورا آخر بآليات اخرى , فعندما نلاحظ واقع المناهج التعليمية في العراق ـ وهو واقع مرعب ـ سنجد ان اغلبها يحاول بناء هوية وطنية يتجاهل في سبيلها الهويات المحلية لابل يعمد الى الغائها ويحاول اقحام مفاهيم جاهزة منفصلة عن الواقع المحلي ليجعل منها قيم عليا . والانكى من ذلك ان القائمين على العملية التعليمية نفسهم لايؤمنون بما تقوله المناهج وهم يعلمون تلاميذهم بأن ما تقوله المناهج المقررة هو كذب والصواب هو ماتقوله الهوية الفرعية والمتأثرة ـ بطبيعة الحال ـ باخفاقات الدولة على امتداد عمرها فيدرس الطلاب تلك المناهج لمجرد ان ينجحوا دون ان يؤمنوا بها مما يعمق الشعور بالغربة داخل الوطن ويجذر الازدواجية في الشخصية العراقية ـ كما شخصها الدكتور علي الوردي ـ . وما يثير الفزع حقا هو تلك النظرة غير المبالية تجاه اخطر مراحل التعليم واهمها على الاطلاق , التعليم الابتدائي والحضانة بشكل اقــل اذا حسبنا الحضانة ترفا لايحصل عليه اغلب الاطفال العراقيين مما يحد من تأثيرها الواسع فالدولة لاتبالي حقا بمن يقوم بتربية الاجيال الجديدة الداخلة الى المدارس وفتحت ابواب معاهد المعلمين للفاشلين الذين يخافون الولوج الى الاعدادية فتخرج جيل من الفاشلين الذين امسكوا بزمام اخطر واقدس واهم وظيفة في المجتمع وهي التعليم . جيل من الفاشلين لايحملون اي قيم وطنية بل انهم منفصلون حتى عن القيم الاساس في مجتمعنا نتيجة لعهود التخريب الفكري التي شهدها البلد .وحتى قرار الغاء معاهد المعلمين لم يفلح في تغيير شيء , فلا تزال كليات التربية الاساسية ـ بديل معاهد المعلمين ـ تقبل المتخرجين باوطأ المعدلات من الاعدادية فيدخلونها كارهين لها ومحتقرين لقدرها ويتخرجون منها وهم محاصرين من نارين النظرة الدونية المسيطرة على المجتمع تجاه المعلم ـ وهذه احدى عطايا نظام صدام حسين الينا ـ وبين الاهمال الحكومي لهم وهزالة مرتباتهم . اما جماعات الاقران فيبدو تأثيرها مرتبطا بشدة مع تأثير الاسرة والمدرسة , فجماعات الاقران هؤلاء يأتون من اسر مختلفة واذا توحدت في قيمها الاساس فهي تتباين في قيمها الفرعية والاطفال , وبالاخص الذكور ـ في مجتمع ذكوري مثل العراق ـ يميلون الى الاكتساب من نظرائهم ويشعرون بالامان معهم اكثر مما يشعرون به مع اسرهم ضمن منضومة تربوية سلطوية صارمة تسيطر على اغلب الاسر في العراق , وهؤلاء الاطفال الذين يبنون افكارهم الخاصة بالاستناد الى التقليد او الحس وعلى تجارب بدائية متأثرة بما اكتسبوه من الاسرة والمدرسة يقومون بتناقل تصوراتهم الخاطئة والصحيحة على السواء فيما بينهم ولك ان تقدر حجم التأثير ومدى الضرر الذي قد يصيب عملية بناء المواطنة وترسيخ الهوية الوطنية . ان هذه السلبيات التي تحدث في المستويات الثلاث مجتمعة ولدت مايمكن تسميته بثقافة العصيان الخضوعي في المجتمع العراقي , فالفرد يكاد يعصي الحكومة , ضمن الدولة في كل شيء , يتهرب من الضرائب , لايحرص على الاملاك العامة التي يراها ملكا لدولة هومنفصل عنها ولايراها ملكا له ,يخالف قواعد السير ,لايهتم بنظافة الشوارع التي يعيش فيها ويتهرب من كل التزاماته تجاه الوطن . وهو في نفس الوقت ينقاد الى توجهات الدولة السياسية او بصورة ادق الى التوجهات الحزبية التي لديه الاستعداد لأن يترك في سبيلها عمله ويخرج في مظاهرة لتأييد طرح حزبي لايمس حياته بل يدخل ضمن المزايدات السياسية وحسب وهو لايهتم مطلقا بتنظيم مظاهرة تندد بسوء الخدمات مثلا . وهكذا فهو يعصي الدولة في كل الامور التي تدخل ضمن التزامات المواطنة التي تعود عليه بالنفع ويخشاها ـ الدولة ـ ويطيعها في الامور الاخرى التي تنصب في الاكراه الذي يحفظ هيبة الدولة تجاه مواطنيها بالذات وقدرتها على جعلهم خاضعين لها .





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق