الاستثمار في كربلاء بين الطموح والمعوقات
لاشك إن النهوض الحضاري الذي شهدته أغلب المدن العربية سيما في منطقة الخليج جاء على أثر النشاط الاستثماري الذي رافق عملية الاستقرار الامني في هذه الدول .
وربما كان العراق الاجدر بالنيل بهكذا مشاريع إستثمارية كونه يمتلك المقومات التي تفوق في نسبها تلك التي تمتلكها دول الخليج ، إلا إن ما مر به من سياسات تعسفية في ظل نظام فردي متسلط رافق حقبة الثمانينات من القرن الماضي ، بالاضافة إلى الحروب التي خاضها ذلك النظام ومنها ضد الدول المجاورة والعقوبات التي فرضت على العراق لانتهاكه القرارات الدولية كانت جميعها أسباب طاردة للمستثمرين ، أو لنقل جعلت من الصعوبة بمكان أن يكون أرضا خصبة للاستثمار .
لقد كان من المفترض أن تكون من الاولويات الرئيسية للحكومات التي أعقبت سقوط النظام هو النهوض بالواقع المتردي لاغلب المدن إذا ما بالغنا وقلنا كافة مدن البلاد .
ولعل الاستثمار هو من أهم هذه الاوليات كونه الرافد الذي سينشط الواقع الخدمي للمواطن سيما وأن العراق يملك من الاماكن السياحية والدينية والأثرية ما يؤهله لهذا المضمار .
ورغم الاستقرار النسبي للاوضاع الامنية التي بدت عليها بعض المحافظات أخذت رؤوس الاموال الاجنبية والعربية بالتهافت على العراق من أجل الاستثمار فيه ، ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن وأصبح حديث الشارع العراقي ، ما هي المعوقات التي منعت المستثمرين من المباشرة بعملهم حتى الان ؟
وهل هناك خفايا يجهلها المواطن العراقي الذي بات هو الاخر متحيرا امام عدم تنفيذ الكثير من الوعود التي أطلقتها حكومة المالكي بان يكون العام الماضي أي 2008 عاما للاعمار ؟
إستثمار بمئات الملايين من الدولارات
يقول نائب رئيس هيئة الاستثمار في كربلاء جمال الحاج ياسين ، أن الهيئة ومنذ تشكيلها في 20 / 2 / 2008 باشرت بدراسة القطاعات الاقتصادية عن طريق أعضاء هيئة الاستثمار الذين قدموا إقتراحاتهم الاولية عن المشاريع الملحة ، ثم بدوأ بدراسة كل قطاع وإستهدفوا في هذه الدراسة مدة عشر سنوات لايجاد الفرص الاستثمارية التي تستوعب المدة المستهدفة .
ويضيف "أنتجت الدراسات الاولية عن عدد من المشاريع الاستثمارية حاولنا أن نجد الارض لهذه المشاريع وبجهد غير قليل إستطعنا أن نحصل على بعض الاراضي من الدوائر ذات العلاقة ، روجنا لهذه المشاريع وإستطعنا أن نستقطب عدد من المستثمرين . وأضاف "منحنا فرصتين إستثماريتين في مجال الاسكان بمبلغ أقل بقليل من 500 مليون دولار ، وكذلك منحنا فرصة إستثمارية لانشاء مدينة ترفيهية وفرصة إستثمارية لانشاء مستشفى تخصصي لزراعة الأعضاء البشرية وجراحة الجهاز الهضمي وكذلك فرصة إستثمارية لصناعة التمور وإنشاء مول يحتوي على مجمع فندقي ، كما منحت فرصة إستثمارية لانشاء حقل دواجن لانتاج بيض المائدة .
مدينة وول دزني : نسخة كربلائية
يقول الحاج ياسين فيما يتعلق بالمدينة الترفيهية " وزارة البلديات والاشغال العامة خصصت مساحة من الارض تبلغ مئة دونم لانشاء هذه المدينة وذلك بمحاذاة الحزام الاخضر الذي يحيط بكربلاء .
" المستثمر هو عراقي مغترب في بريطانيا مع احد المواطنين العراقيين وكانت الدراسات الاولية التي وضعوها للمشروع تشير إلى ما يقرب من عشرة ملايين دولار ، وبعد منحهم الاجازة لاقامة المشروع أشارت دراساتهم إلى أن المشروع يحتاج إلى مبلغ يصل إلى مئة وعشرة ملايين دولار ، حيث من المؤمل أن يضم المشروع فندق خمس نجوم وشقق للاعراس ومطاعم سياحية بالاضافة إلى مدينة ألعاب كبيرة على غرار ما موجود في مدنية العاب وول دزني في الولايات المتحدة الامريكية.
10000 الاف وحدة سكنية بإنتظار قطعة الارض
وحول العروض التي قدمت من قبل المستثمرين لبناء وحدات سكنية للمواطنين في كربلاء يؤكد الحاج ياسين أن هناك عروضا قدمت من قبل مستثمرين عرب وأجانب لبناء وحدات سكنية ، منها عروض قدمتها شركة البو خمسين السعودية لبناء 5000 الاف وحدة سكنية جنوب المحافظة ، بالاضافة الى شركة نول صوي التركية التي تم التعاقد معها على بناء 5000 الاف وحدة سكنية في منطقة تقع الى الغرب من كربلاء .
وتابع الحاج ياسين " كنا قد منحنا شركة نول صوي التركية الاجازة لبناء خمسة الاف وحدة سكنية حيث باشرت مجموعة كربلاء العالمية الشريكة لنول صوي بإعداد كافة المخططات ونحن الان في طور منح قطعة الارض للشركة والموافقة على التصاميم .
ويؤكد معاون رئيس هيئة الاستثمار أن المشروع تبلغ كلفته 248 مليون دولار وهو من المشاريع الواعدة التي ستتيح لكافة الكربلائيين إقتناء وحدة سكنية بالتقسيط المريح حسب قوله .
حكومة طاردة للأستثمار .....!
ومع وجود المستثمرين والاموال والمشاريع التي يراد تنفيذها ، تبرز عدة معوقات يقول عنها نائب رئيس هيئة الاستثمار جمال الحاج ياسين ، أن قانون الاستثمار هو قانون حديث لم يتم إستيعابه من قبل القائمين على العملية الاستثمارية مثل بلدية كربلاء وحتى على مستوى الوزارة .
"فمرة نعتقد أن الاخوة غير متعاونين واخرى نعتقد أنهم لم يستوعبوا فكرة الاستثمار لحد الان ، فمثلا وزارة البلديات والاشغال العامة منحت المحافظين صلاحيات كاملة بتخصيص الاراضي التي ستقام عليها المشاريع الاستثماية ، وجلسنا مع السيد وزير البلديات في إجتماع ضم هيئة إستثمار كربلاء وهيئة إستثمار واسط وهيئة إستثمار صلاح الدين ، وقد اعطى السيد وزير البلديات الصلاحيات للمحافظين ووجه كتابا بذلك وتم على أثرها تشكيل لجنة من مجلس المحافظة وهيئة الاستثمار للاشراف على منح الاراضي , ويضيف الحاج ياسين " سألته بالتحديد هل أن هذه اللجنة لها صلاحيات منح الاراضي ؟ قال نعم .
ثم سألته هل أن هذه اللجنة لها صلاحيات تحديد بدلات الاراضي ؟ قال نعم ويتابع الحاج ياسين " أنا لا أعرف ما السبب وراء عدم موافقة وزارة البلديات على منح الاراضي للمستثمرين التي يقول عنها الوزير أنها ستفتح باب الفساد الاداري والمالي .
ويتسأل الحاج ياسين مستغربا ......"هل أن المركز منزه من الفساد الاداري والمالي" ؟
ويضيف " من جاء بعد عام 2003 جاء بأجندة الفدرالية ، ونحن لاندعو إلى الفدرالية بقدر ما ندعو إلى اللامركزية ، فأذا كان الأمر بيد الوزير، متى سيمنح السيد وزير البلديات الاراضي للمستثمرين بعد مرور سنتين على تشريع قانون الاستثمار وعشرة أشهر من عمل هيئة إستثمار كربلاء وثمان إجازات إستثمارية حصلت عليها كربلاء "على حد قوله .
ويؤكد نائب رئيس هيئة الاستثمار أن إجراءات وزارة البلديات والاشغال العامة هي إجراءات طاردة للمستثمرين إن لم يكن هناك تراجع من قبل المستثمرين الذين تقدموا بطلب الحصول على إجازات .
وإختتم الحاج ياسين حديثه بالقول
" الخطوة القادمة هي أما أن نضع الأمر بيد رئاسة الوزراء لاتخاذ الاجراءات السريعة أو أن تكون الحكومة المحلية جريئة لمنح الاراضي والاستعداد إلى المقاضاة بخصوص صلاحيات الحكومات المحلية وصلاحيات الحكومة المركزية .
ومن اجل أن نكمل حلقة التحقيق التقينا بمحافظ كربلاء عقيل الخزعلي وطرحنا عليه السؤال التالي :
من هي الجهة المخولة لمنح الأراضي للمستثمرين ؟
المحافظ " هناك إختلاف في وجهات النظر في كيفية تخصيص الاراضي للمستثمرين ، فالخلاف ما زال قائما بين وزارتي البلديات والاشغال العامة ووزارة المالية ، فعندما تكون الارض عائدة إلى وزارة البلديات يمكننا أن نخصصها للاستثمار لان الصلاحية الممنوحة لدينا كمحافظ تمتد إلى هذه الاراضي فقط بإعتبارها جزء من ممتلكات الحكومة المحلية ، كما يجب إن يكون هناك نوعان من الضمانات المقدمة من قبل المستثمرين قبل أن تعطى الارض لهم ، لذلك فتحنا جلسات النقاش مع هيئة الاستثمار على مصراعيها لمناقشة كافة الاجازات المروجة فيما إذا كانت قد إستوفت كافة الشروط القانونية ، وبعد الحصول على هذه الوثائق ننتقل إلى المرحلة الاخرى وهي منح الارض بقرار من مجلس المحافظة " أما فيما يتعلق بوزارة المالية ، فيجب أن تدخل في حسم هذا الموضوع عقارات الدولة ووزارة الزراعة ونحن بدورنا رفعنا ذلك مجلس الوزراء بإعتبار أن ذلك من صلاحياته "
هروب المستثمرين ؟
ويتخوف محافظ كربلاء من إن الاجراءات التي تتخذ مع المستثمرين ستؤدي إلى هروبهم من المحافظة بعد أن تأخرت إلى حد كبير مسألة منحهم الاراضي التي سيستثمرون فيها أموالهم .
ويقول الخزعلي " بصراحة أجد أن هناك إجراءات معقدة لاتبعث على الاطمئنان لدى المستثمرين ليس هو موضوع البيئة الاستثمارية كون إن المدينة جاذبة أم لا للمستثمرين ، أو من ناحية المواد هل هي متوفرة أم غير متوفرة ، ولكن طبيعة النظام الاداري مع الاسف متخلفة ، والنظام الاداري العراقي مازال يعيش في عقلية المركزية الشديدة ، وما زال مفهوم الاشتراكية معشعش في بعض العقول النخبوية لدى النظام الاداري العراقي في الوقت الراهن ، لذا فكل فهذه الامور قد لاتصب في مسرى دفع عجلة الاستثمار الذي يستوجب حركة دوؤبة في روؤس الاموال وكذلك يبنى على منظومة الرأسمالية الاقتصادية "
ويضيف الخزعلي " ولهذا السبب نحن نحتاج فترة نقاهة وتأهيل للعقلية العراقية الادارية بالاضافة إلى النظم الاقتصادية وتاهيل القطاع المصرفي والمعلوماتي حتى يكون هناك تشجيع حقيقي للمستثمرين"