الاعــــلام وقـــــادة الـــــــرأي
يقصد بقادة الراي اصحاب الفكر الذين لهم تاثيرهم على جمهور المواطنين وعلى هذا الاساس يمكن اعتبار الخطيب والشاعر والمفكر السياسي والاديب قائداً للراي. وتكون هذه الوسيلة من وسائل الاعلام متعددة الاهداف والاغراض. فالخطبة التي يقدمها رجل الدين غرضها الوعظ والارشاد والتوجيه الديني. اما اذا كان سياسياً فيكون هدفها التوجيه السياسي والتاثير على المواطنين لتاييد وجهة نظر السياسي في موضوع معين.
اما الاديب فيكون هدفه تربوياً او ثقافياً او ترفيهياً. وبشكل عام تتغير هذه نظراً للقائد، وقادة الراي يمكنهم ان يستعملوا كل وسائل الاعلام المنتشرة في الوقت الحاضر ويكاد يكون التلفاز والانترنيت والصحف الوسيلة الفعالة لتاثير قادة الراي باراء ومعتقدات جمهور المشاهدين وهم على الاكثر جمهور كبير.
وكذلك يستعمل قادة الراي اساليب من شانها ان تؤثر في الجماهير وان تخفف من معارضتها لاي فكرة او مشروع ينبغي لقادة الراي تحقيقه لان هذا المشروع لن يحقق دون مساعدة ومساهمة هؤلاء الجماهير. ولا يكتفي هؤلاء القادة بهذه الاساليب في التاثير على الجماهير لغرض تغير افكارهم وارائهم وانما يمكنهم من ان يستعملوا وسائل اخرى ربما يكون لها تاثير اخر كاستعمال اسلوب المظاهرات تاييداً لوجهات نظرهم اضافة الى استعمال اسلوب اخر للتخفيف من وجهة النظر المعارضة لافكارهم في بعض الاحيان كنشر فكرة او شرح مشروع معين في الصحيفة او التلفاز لمعرفة تجاوب الناس معها ويساهم قادة الراي وخاصة في دول العالم الثالث المتحررة بالتركيز على التحولات الوطنية والاشتراكية حيث انها نظام متكامل في الحياة يمتد الى العلاقات العائلية والى السلوك في الشارع واخيراً فان قادة الراي يحاولون تربية وتنشئة الطلاب والنشْ الجديد تربية خاصة وتعليمهم الاداء والافكار التي يؤيدونها القادة باعتبار ان النشْ الجديد جيل المستقبل الذي يتولى ادارة وحكم البلاد بعد حين من الزمن، وكذلك لابد من تزويدهم بالثقافة الوطنية والاشتراكية لانها تعتبر جزءاً من فلسفة النظام.
******************************
فـلســفـة الاعــــلام فـي الـنـظـم الاقـتـصـاديـــة
تهدف برامج الاعلام في المجتمعات الراسمالية الى تركيز كل الاهتمامات على الخصائص والمعلومات المتعلقة لخدمة طبقة معينة دون النظر الى بقية الطبقات وكذلك تهدف الى تحقيق منفعة مادية لها من خلال استخدام كل الوسائل الاعلامية المتيسرة وبالاساليب التي تستنزف بها جهود الاخرين لخدمة الطبقة الراسمالية.
اما في المجتمعات الاشتراكية فان الامر يختلف جوهرياً عن الذي ذكرناه فاجهزة الاعلام العامة التي تديرها الدولة وبتوجيه منها يقع على عاتقها امر مهم جداً ذلك هو تمكين المواطنين من ادراك طبيعية اوضاعهم الجديدة (اجتماعية، اقتصادية وسياسية) وما سوف يتم تحقيقه على المدى البعيد من الرفاهية المادية والاجتماعية للمواطنين من اجل تحسين اوضاعهم وتحريرهم من التبعية والاستغلال الطبقي. وتوجيههم في بناء المجتمع الجديد ولكي ينعم الجميع بمستقبل افضل يتحقق فيه مبدا تكافؤ الفرص لجميع الناس من اجل زيادة وتحسين الانتاج ورفع مستوى المواطنين.
والخلاصة يجب ان تكون وسائل الاعلام في المجتمعات الاشتراكية هادفة وبناءة ومثمرة لجميع افراد المجتمع.
اما في الدول النامية التي بدات طريقة التقدم الفعلي بعد ان احرزت انتصارات في الميادين السياسية وفي مجال التعليم ونشرالوعي العلمي والادبي والصحي بالاضافة الى الوعي الوطني لدى المواطنين، من جراء هذا التقدم نرى ان مستوى المعيشة قد ارتفع نسبياً عما كان عليه في السابق كما وان طموحات هذه الدول وتطلعاتها نحو التقدم والرقي ومواكبة الحضارة قد جعلها تفكر جدياً في تطوير وسائل الاعلام وخاصة تلك التي تتعلق بالصحف والمجلات والتلفاز والكتب، ... الخ. كما ان تطور هذه الوسائل قد جعل المواطنين انفسهم يطالبون حكوماتهم باحداث تغير جذري بما يكفل خلق صيغ ووسائل جديدة للاتصال بالجماهير تختلف عن الوسائل السابقة.
واود ان ابين بان وسائل الاعلام في الدول النامية ينحصر تاثيرها في المدن حيث ان محطات الاذاعة والصحف والمسارح ودور السينما تتجمع في المدن وخاصة المدن الكبيرة رغم ان نسبة عالية من السكان يعيشون في الناطق الريقية بمعنى ذلك ان وسائل الاعلام انحصر تاثيرها في المدن دون الارياف اذا استثنينا الاذاعة احياناً.
ويعتبر البعض ان مشكلة تعدد اللغات في البلد الواحد من المشاكل المهمة التي تواجه انتشار الاخبار والمعلومات ويمكن ان نلاحظ ذلك في بلد مثل الهند يضم (21) ولاية تتكلم ب(18) لغة معترف بها من قبل الحكومة الى جانب اكثر من ثلاثين لغة محلية غير معترف بها وهذا يعني ان كل المعلومات تذاع من الراديو وتنشر في الصحف وتترجم الى كل اللغات المحلية وهذه ظاهرة تنطبق على كل اقطار اسيا وافريقيا المكتضة بالشعوب ذات اللغات المتعددة. ومن حسن الحظ ان للوطن العربي لغة واحدة. وهذا مما يسهل المساعـــي الاعــلاميــة ذلـــك ان الكلمة هي اداة الاعلام ووسيلة ايصال الكلمة غايتها.
*****************************************************
العـقــــل أداة الحـيــــــاة
لقد أشارت الدراسات الحديثة ان الأنسان أعتاد ان ينظر الى الكون من خلال أطار فكري يحدد مجال نظره، وأنه يستغرق أو ينكر أي شيء لايراه من خلال ذلك الأطار. فالأنسان بهذا المعنى يشابه الأعمى. ومن الممكن القول بأن كل شيء جديد في العلم يقابله المتعلمون وغير المتعلمون من الناس بالهزء.
وهنا ينبغي ان نميز بين المتعلم والمثقف، فالمتعلم هو من تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الأيطار الفكري الذي أعتاد عليه منذ صغره، فهو لم يزدد من العلم الا مازاد في تعصيبه وضيق من مجال نظره. هو قد آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيده في رأيه وتحرضه على الكفاح في سبيله. أما المثقف فهو يمتاز بمرونة رأيه وبأستعداده لتلقي كل فكرة جديدة وللتأمل فيها ولتملي وجه الصواب فيها. ومما يؤسف له ان المثقفين بيننا قليلون والمتعلمين كثيرون. وهذا هو السبب الذي جعل أحدهم لايتحمل رأياً مخالفاً لرأيه.
يقال ان المقياس الذي نقيس به ثقافة شخص ما هو مبلغ ما يتحمل هذا الشخص من آراء غيره المخالفة لرأيه، فالمثقف الحقيقي يكاد لايطمئن الى صحة رأيه، ذلك لأن المعيار الذي يزن به صحة الآراء غير ثابت لديه، فهو يتغير من وقت لاخر. وكثيراً ما وجد نفسه مقتنعاً برأي معين ثم لايكاد يمضي عليه زمن حتى تضعف قناعته بذلك الرأي ...
ان الأطار الفكري الذي ينظر الأنسان من خلاله الى الكون مؤلف من جزؤء الأكبر من المصطلحات والمألوفات والمقترحات التي يوحي بها المجتمع أليه ويغرزها في أعماق عقله الباطن. والأنسان أذن متأثر بها من حيث لايشعر. فهو حين ينظر الى ما حوله ليدرك ان نظرته مقيدة ومحددة. وكل يقينه أنه حر في تفكيره. وهنا يكمن الخطر، فهو لايكاد يرى أحداً يخالفه في رأيه حتى يثور غاضباً ويتحفز للاعتداء عليه. وهو عندما يعتدي على المخالف له بالرأي لايعد ذلك شيناً ولا ظلماً أذ هو يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الحقيقة ويكافح ضد الباطل.
وأغلب الحروب والأضطهادات التي شنها البشر بعضهم على بعض في سبيل مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية ناتجة عن وجود هذا الأطار للاشعور على عقل الأنسان. ويعتقد "وليم جيمس"، الفيلسوف الأمريكي المشهور، بأن العقل البشري "جزئي ومتحيز" ويرى هذا الفيلسوف ان العقل لايستطيع على التفكير المثمر الا اذا كان جزئياً في نظرته ومتحيزاً في أتجاهه. ذلك لأن الحقيقة الخارجية في رأيه تحتوي على نواحي متعددة وتفاصيل شتى. فأذا لم يركز العقل أنتباهه على ناحية ويترك النواحي الأخرى يصعب عليه الوصول الى فكرة عملية واضحة عنها. يقول "جيمس": ان العقل لايكون ذا قدرة وكفاية الا بتخيره ما ينتبه أليه، وبتركه ماعداه، اي بتضيقه وجهة نظره، والا توزعت قوته الضئيلة وضل في تفكيره.
لقد وقع اختلاف بين المفكرين منذ أيام الأغريق القدماء حول موضوع الفكر البشري: هل هو الذي يخلق الحقيقة أم أنها هي التي تخلقه؟ وقد أنقسم المفكرون في هذا الى فريقين: فريق منهم يقول بأن العقل البشري ليس الا مرآة للحقيقة حيث هو يعكس صورتها من غير تغير او تشويه. والفريق الأخر يميل الى النقيض من ذلك أذ يرى بأن الحقيقة بنت العقل وليس ان هنالك حقيقة خارجة عنه. ففي رأي هؤلاء ان الأنسان هو مقياس الحقيقة. وقول "مانهيم": يمكن تشبيه الحقيقة بالهرم ذي الأوجه المتعددة حيث لايرى الأنسان منه الا وجهاً واحداً في ان واحد. ويؤيد "جون ديوي" هذا الرأي تأييداً كبيراً. فهو يعتقد بأن العقل البشري ليس مرآة للحقيقة كما كان الأقدمون يتصورون. ان العقل في نظر "ديوي" لم يخلق من أجل الحقيقة، فله هدف آخر أهم من الحقيقة وأنفع، هو الفوز في تنازع البقاء.
كان القدماء يعتقدون بأن العقل هو قبس الحق ونور الهداية ومقياس الحقيقة. أما "ديوي" فيضحك على هؤلاء ويعدهم سخفاء. فالعقل في نظره عضو قد تطور في الأنسان كما تطور الخرطوم الطويل في الفيل والناب الحاد في الأسد والساق الرشيقة في الغزال. ان العقل قد تطور في الأنسان كي يساعده في كفاح الحياة وتنازع البقاء. فهو لايفهم الحقيقة الا بمقدار ما تنفعه في هذا السبيل.
وأصحاب الشهادات في مجتمع جاهل قد يصيبهم مثل ما أصاب أغنياء الحرب. فهم يرون أنفسهم في علو شاهق بالنسبة الى من حولهم من الناس. وتجدهم بذلك قد أكتفوا بما درسوا قبلاً وجمدوا على ما هم عليه؛ فشغلوا أنفسهم بالمكايدات والمؤامرات يحوكها بعضهم على بعض في سبيل المناصب الجامعية او التزلف نحو رجال الحكم.
والمصيبة في هذا الامر ان الأنسان لابد له احياناً في صنع أطاره الفكري أو في تغيره، فأطاره يتطور حسب مفاهيم خاصة لايستطيع هو ان يتحكم فيها الا قليلاً.
فالأنسان قبل كل شيء يملك نفساً معقدة فيها كثير من الرغبات المكبوتة والعواطف المشبوهة والأتجاهات الدفينة. ففكره أذن مقيد بهذه القيود النفسية التي لايجد عنها محيصاً الا نادراً. والأنسان قد يدعي أنه يفكر تفكيراً حراً لاتحيز فيه ولاتعصب، وهو صادق احياناً فيما يقول، لأنه لايعلم ماذا كمن في عقله الباطن من عقد وعواطف ونزوات خفية.
ويقول د. علي، عالم الاجتماع العراقي، قد تسأل أحدهم مثلاً: لماذا تحب "هتلر" من دون بقية الزعماء؟ فيجيبك بأنه يحبه لعظمته ونزواته وأخلاصه وعبقريته وما أشبه. فهو يخلق الحجج والبراهين لكي يثبت لك أنه يطلب الحقيقة في حبه "لهتلر". والواقع أنه أحب "هتلر" لأن قصة هذا الرجل قد أشبعت بعض رغباته المكبوتة حيث حب القوة، الأعتداء، الفخار أو بعد الصيت ... فصاحبنا يشعر بنقص في نفسه، وهنالك الكثيرون في العراق أمثاله، وقد وجد في "هتلر" لاشعورياً ما يسد هذا النقص فهام به كما هام المجنون بليلى ...
وفكر الأنسان مقيد ايضاً بقيود أجتماعية علاوة على قيوده النفسية. فهو ينتمي الى جماعة، طبقة، بلد ، وغير ذلك. ولذا فهو يتعصب لجماعته في الحق والباطل على منوال ما كان عرب الجاهلية يفعلون حين قالوا: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".
والمراءة في نظر "شوبنهور" قد تملك أحياناً نظرة فائقة ولكنها لن تستطيع ان تكون عبقرية لأنها لاتقدر على الخروج من ذاتها، فهي ميالة الى النظر في الأمور من خلال عواطفها ورغباتها الشخصية.
ويقول "برجسون" ان الانسان ميال بطبيعته الى موافقة الجماعة التي ينتمي اليها. اما العبقري فيشعر انه ينتمي الى البشرية جمعاء ولذا فهو يخترق حدود الجماعة التي نشاْ فيها ويثور على العرف الذي يدعم كيانها. انه يخاطب الانسانية كلها بلغة من الحب، وكأنه أنسان من نوع جديد.
والخلاصة التي أريد ان أستخلصها من هذا البحث هي ان العقل البشري متحيز بطبيعته، والفرد العادي لايستطيع ان يتجرد في تفكيره مهما حاول، لان القيود التي تقيد فكره مغروزة في أعماق عقله الباطن. ان العبقري هو الانسان الوحيد الذي يستطيع ان يسمو عن ذلك ويحلق في سماء الابداع والاختراع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق